قراءة نقدية لديوان الشاعر ياسين جناني (حان الوقت لا أشبه إلا نفسي)

قراءة نقدية لديوان الشاعر ياسين جناني (حان الوقت لا أشبه إلا نفسي)

نحن أمام عمل أدبي شبابي جديد، ليس جديدًا فقط بكونه مرتبطًا بالطفرة الأدبية التي نتج عنها ظهور فن الصلام كجنس أدبي بأمريكا على يد الصلامور مارك سميث سنة 1986، وانتقل بعدها إلى دول غربية، ثم عرفته دول عربية أخرى. ولا هو جديد بما تضمنه من مؤشرات التأثر بمستجدات التكنولوجيا الحديثة – في ماهيتها وثورتها – أكثر مما تأثرت به قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر بنفس هذه المستجدات، على التمثلات المألوفة التي كثيرًا ما يعتمدها ويستغلها النقاد والباحثون في تحليل المقول الأدبي العربي. ولا هو جديد بما فيه من ظاهر الدلالات المحسوسة في المنظورات المرسومة والرموز المخطوطة التي ذيّل بها ياسين جناني، الشاعر والفنان، كل قصيدة في الديوان – ونعلم أنها دلالات تتقاطع فيها كل المؤلفات في مجال الإبداع الأدبي والفني – وإنما الجِدّة أتته من مجاوزته لبعض معايير القصيدة التراثية وقصيدة التفعيلة، المتمثلة في الإيقاع والمحسنات البديعية، وتجاوزه لخصائص النص الشعري النثري الفصيح، وتخطيه لبعض قواعد النص الزجلي المغربي الأصيل باللغة المحكية. ونحن إذ نسعى إلى استجلاء مظاهر هذه الجِدّة في الديوان، قد نكون في أمس الحاجة لتبني استراتيجية منهجية نعتمدها في قراءتنا النقدية المتفاعلة مع المتن، بالقدر الذي تفرضه الموضوعية، وذلك للغوص في أعماق ودهاليز هذا الديوان قصد الوقوف على ما يتضمنه من الاحتمالات والمتاهات الموجبة للكثير من التكهنات. هي احتمالات ومتاهات لا يمكن اكتشافها إلا بفك وتفكيك طلاسم عتباته، سواء منها الحاضرة بالعلامات اللسانية المنطوقة أو المحسوسة بالعلامات الأيقونية التي تمدنا بدلالات عميقة بلغة بصرية قد لا تفي بها اللغة المنطوقة كلما حصل الامتناع، وأصيب الخطاب بالصمم بعدم إفصاح الألفاظ – مفردة ومركبة – عن دلالاتها.

وإذ نعتبر كل العتبات خارطة طريق مجهزة بعلامات تشويرية مرشدة إلى مكنونات الديوان، والتي – بهذا الاعتبار – تكسبنا حق امتلاك سلطة ثانية بعد سلطة النص، إلى جانب الحق الذي منحته نظريات التلقي للقارئ الناقد في إطار التصور النقدي الحديث ما بعد البنيوية، قد نعتبرها سلطة مرنة؛ تجعل النص قاسمًا مشتركًا بين صاحبه والقارئ الناقد. هي سلطة القارئ التي اعترف بها صاحب الديوان بعبارة وردت في الصفحة الخامسة تحت عنوان (إهداء)، قال:
(إلى أصدقاء الكتابة والحرف، إلى من سيقرأ الديوان الماثل بين يديه ويستعمل العقل).
فعبارة (الماثل بين….) المتداولة في قاموس المحاكم تجعل من النص متهمًا بكثير من الملابسات، تجعله خاضعًا لكل أحكام القراء حسب ما يمليه العقل بعد نزع ملكية المبدع.

ومع ذلك، وتقديرًا لدور الشباب في بناء مستقبل الأمم، وسعيًا منا إلى مضاعفة العطاء الشبابي في جميع المجالات، قد لا تسمح لنا هذه السلطة باغتيال شخصية مبدع هذا الديوان تحت ذريعة التأثر بمقولة رولان بارت الذي قال بموت المؤلف مباشرة بعد كتابة النص، أو تنفيذًا لما تمليه لذة السلطة المجحفة من التعالي والجدال السلبي.

فإيمانًا منا بثقافة الوفاء والعرفان والاختلاف في الرأي، وتقديرًا لعطاءات مبدعنا الشاعر والفنان والصلامور الشاب ياسين جناني الفكرية منها والثقافية والفنية، ليس اعتمادًا فقط على ما تضمنه هذا الديوان، لكن كذلك بناءً على ما لمسناه من خلال مشاركاته ومداخلاته في اللقاءات والمهرجانات الجامعة بين الأدب والفن التي تنظمها جمعيات المجتمع المدني. وتقديرًا لدور المؤلفين والمبدعين في بناء الحضارات ومساهمتهم الأولى في كل أنواع المبادرات التنموية، نقول إن ياسين جناني، الشاعر والصلامور، حاضر بالفعل والقوة في ساحة العطاء الشبابي الثقافي والفكري والفني قبل كتابة هذا الديوان، وحاضر بعد كتابة هذا الديوان. ونحن نعلم أن ما آلت إليه الحضارة الكونية من تقدم في جميع المجالات مرتبط بعطاءات الباحثين والمفكرين والأدباء والفنانين. كانوا شبابًا ثم شاخوا وقضوا نحبهم، ولا يزال التاريخ يشهد بعطاءاتهم التي نهل منها جيل بعد جيل من كبار الساسة، ومن الذين أوصلوا العطاءات التكنولوجية وواصلوا البحث في عالم الإعلام، ومن كبار الباحثين في مجال الفيزياء والهندسة والذرة والاقتصاد وعلوم السياسة والطب والتهجين وعلوم الحياة، إلى جانب كبار الفلاسفة والمبدعين في مجال الأدب والفن والتشكيل. كل هؤلاء كانوا شبابًا، ولا تزال الغالبية منهم تنعم بالحياة، تنتظر في تحدٍّ تتحمل مسؤولية اكتشاف مكنونات هذا الكون للنهوض بما فيه سعادة البشرية في زمن العولمة والحروب. يكفي أن تراثنا العربي والإسلامي لا يزال يمدنا بعطاءات بناة حضارتنا العربية والإسلامية.

لهذا الاعتبار، ارتأينا أولًا أن نعرف بصاحب الديوان الشاعر المغربي الصلامور الشاب ياسين جناني؛ فهو ابن مدينة الرباط، وهو الطالب الباحث والرسام. يكفي أنه هو من ابتكر لوحة الغلاف، وهو النحات والعاشق للمسرح والموسيقى، والحرفي في مجال الرخام المغربي العصري والتقليدي، حاصل على الإجازة في القانون الخاص وعلى شواهد أخرى في مجالات متعددة. عرفته في عدة لقاءات ومهرجانات ملقيًا لبعض قصائده الصلامية بمهارة خطابية، بما تتطلبه الخطابة من فصاحة اللسان واختيار الموضوع وقوة الهيئة. وهي القوة التي جعلته يفرض ذاته في هذا الديوان من خلال تصدر اسمه في أعلى واجهة الغلاف، وتصدر صورته المبتسمة في أعلى الخلفية فوق نبذة معرفة بحياته الشخصية وملخصة لعطاءاته الأدبية والفنية، وكذلك من خلال ما كتبه تحت عنوان (تنويه) في الصفحة العاشرة، قال: (هناك قصائد كتبت سنة 2018، وأخرى في زمن الوباء، وقصائد كتبت في هذه السنة، قد تشعر بتغيير الزمن ومناخ الحرف عند قراءتك لما بين السطور، ستستمر في القراءة وفك الأحجيات على نغمات جديدة وبرؤية مختلفة تبيح لك أن تستمر في العطاء أيضًا).

فشاعرنا الشاب ياسين يؤكد هنا على أن اللغة المنطوقة بألفاظها المفردة والمركبة قد تفي – في غالب الأحيان – فقط بالمعاني الظاهرة أثناء القراءة الانطباعية، وقد نصل إلى دهاليز المقروء ومتاهاته إذا نحن قرأنا ما بين السطور بطرق أخرى مؤمنة وبرؤية جديدة. عندها نساهم بدورنا – كقراء – في عطاءات جديدة نتقاسم ما نكتسبه من أفكار وثقافات ورؤى متعددة. وهذا لن يتحقق إلا بالتجديد والتغيير حين لا نشبه إلا أنفسنا فقط. قال شاعرنا في نفس الصفحة العاشرة: (كن هادئًا كضوء القمر، ولا تكن صاخبًا مجنونًا أصمّ كالرقم تسعة (9)، لن تكرر التاريخ إلا بطريقة أخرى مغايرة… تشبهك أنت). وهذا المقطع يكشف عن أبعاد عنوان الديوان (حان الوقت – لا أشبه إلا نفسي).
وهو العنوان الذي لم يختره الصلامور ياسين جناني اعتباطيًا، وإنما توخّى منه الاعتراف بأنه مبدع مختلف عن غيره، وتوخّى منه التأكيد على أنه لا يشبه إلا نفسه، وهو بهذا النفي يقصد التجديد والاختلاف، ولا يقصد الخلاف المنكر لعطاءات الآخر. وها قد حان الوقت ليأتي بالجديد؛ والجديد هو فن الصلام والشعر والفن، هي إبداعات لا يشبهه أي أحد في إبداعها، أي أنه لا يقلد غيره تقليدًا مطلقًا تغيب معه الذات المبدعة.
(حان الوقت – لا أشبه إلا نفسي) لا أبالغ إن أنا قلت جازمًا – بعد استنتاج ساقني إليه المنطق والافتراض – (إن هذا العنوان المركب يوحي بالجدة والتجدد في شقه الأول (حان الوقت)، وكذلك في شقه الثاني (لا أشبه إلا نفسي)). الشق الأول (حان الوقت) جملة فعلية تفيد الحركة والتجدد في زمن محدد؛ وتحين الوقت (بضم وتشديد الياء) أتى هنا بعد ترقب وانتظار طويل، استغله الصلامور ياسين ليكتسب القدرة الثقافية والفكرية والخطابية والطاقة الإبداعية في مجال الفن والقول. و(حان الوقت) – بهذه الصيغة – توحي ببداية مرحلة زمنية جديدة (مرحلة الانفجار بالإبداع الجديد والمختلف بكل التوصيفات المعيارية لفن الصلام، ومنها القدرة على المخاطبة بكل خصائصها، وأن تنصب الأغراض في غالب الأحيان على نقد الواقع وظواهر المجتمع). وتوحي عبارة (حان الوقت) بدق ناقوس خطر التفاهة والرداءة، من أجل انبعاث شبابي جديد يتفجر بالعطاء الثقافي والفكري والفني خدمة للبشرية وبناء المجتمع الكوني المتحرر من القهر والانتهازية والاستبداد).
الشق الثاني (لا أشبه إلا نفسي)، المستقل بعدم ربطه بالشق الأول (حان الوقت) بواو العطف الرابطة، هو كذلك جملة فعلية تفيد ما أفادته جملة الشق الأول (حان الوقت) من حركة وتجدد في زمن محدد. تفيد نفي شبه المبدع ياسين الناص لأي مبدع آخر. وهو لا يقصد الشبه الخَلقي (بكسر الخاء) على مستوى الملامح، وإنما يقصد الشبه على مستوى الخُلق (بفتح الخاء) والإبداع، كما أنه لا يفرض على أي أحد أن يتشبه به، وهو القائل في الصفحة 8 تحت كلمة (دايز):
خطيت فيه حروف سنين ما مقنين
دقت الحرية وخلصت عليها
قالو حمق بحال ݣاع الحمقين
اللي جايا داخل عليها عشقت التحدي بروح ولاد التسعين
هديت هاد الحروف مسرحية لوحة كليب قصير
هديت هاد الحروف بتجربة جيل تظلم حصل ما عرف آش يدير
قلبت نكون حقيقي ما نشبه لحد وما نفرض عليك تشبه لي
قلبت نبوح ونخرج الشاعر اللي وسطي
ياسين جناني

ويتحدى الشاب ياسين، الصلامور والفنان، في هذا المقطع كل التحديات. اختار مواجهة كل السلط (سلطة المجتمع، وسلطة العرف، وسلطة السياسي الكابح لحرية التعبير)، واختار مواجهة سلطة الزمان المتنكر لأبناء جيل التسعينات المظلوم، وهو الجيل الذي جاء بعد جيل الخمسينات، جيل ما بعد الاستقلال 1956. وهي المرحلة التي أطلق عليها (الزمن الجميل)، المتشبث بالراديكالية، في مقابل جيل التسعينات الذي تهاوى فيه التعليم وانفصل الجيل عن التراث الزاخر بالقيم والأمجاد، مما جعله ضحية سياسات مجحفة تصدرت فيها سلطة المال (الرأسمالية الفاحشة)، وتضاعفت نسبة العطالة، وساهمت السوشيال ميديا في ظهور فئة من النساء والرجال والشباب تتصنع الحيل قصد التكسب من بعض المواقع الاجتماعية على حساب القيم والأخلاق. كما ساهمت هذه المواقع في الانحلال الخلقي لفئة عريضة أخرى من الشباب، تعاطى البعض منهم للمخدرات والعزوف عن الزواج، في مقابل فئة قليلة محظوظة من أبناء “لفشوش” فازوا بالمناصب العليا بعد إكمال دراستهم بالمعاهد والمدارس العليا داخل الوطن أو خارجه، وفئة أخرى من الطبقة المتوسطة اكتفت بالوظائف المرتبطة بالخدمات المجتمعية في مجال التعليم والصحة والأمن والعدل. وتبقى الفئة العظمى من أبناء التسعينات تمارس التجارة المتجولة أو تشتغل في المصانع بعقود مؤقتة وبأجور هزيلة.
أُفرغت دور الشباب من الشباب، وتراجعت نسبة القراءة الحرة، وعمت التفاهة والرداءة، وأصبحت لغتنا العربية غريبة في وطن العروبة، الذي فضل التواصل بالرموز واللهجات المحلية التي غزت اللقاءات الفكرية والندوات الثقافية. وفي الديوان وردت عبارة (نقلبها دارجة هنا) في أول قصيدة مزج فيها شاعرنا بين العربية والدارجة المغربية تحت عنوان: (نخرج على القانون؛ نص ممزوج ممزوج). اعتبرناها مع شاعرنا ياسين جناني إشارة قوية إلى مجافاة اللغة العربية واغترابها، وليس هذا تقصيرًا منه في الإلمام باللغة العربية الفصحى، وإنما فقط تأكيدًا منه بعبارة (بصح نقلبها دارجة) على أزمة اللغة العربية في الوطن العربي. وردت في قصيدة واحدة في الصفحة 13، وهذا مقطع منها:
(حضور الحقيقة ضروري ولا تنس هذا المبدأ
اللي قالك ما تقدرش
راه غير خايف أنك تقدر
ولكن أشنو خاصك
بصح نقلبها هنا دارجة
أشنو خاصك
أشنو خاصني
أشنو خاصنا
نظبط ليك ماشي لينا
وكلشي يحتارمك
امضغ الفكرة وانسى العادية
نحس بك نقدرك روح نقية
جسد مزيان عقل قايد ماشي عبد
نفس حربية واتمعن شوية
هكذا نختاصرها لك)

القصيدة طويلة وتتضمن مجموعة من الحكم والرؤى التي ترتبط بظواهر مجتمعية، وحكم بليغة تدعو الشباب إلى التغيير والتجديد وتقديس اللغة العربية بدعوته إلى ممارسة الكتابة. واحتل حب كرة القدم المرتبة الأولى فوق حب الوطن، الذي غادرته الفئات من جيل التسعينات على متن قوارب الموت. هذا واقع يفرض علينا إنقاذ البقية المتبقية من الشباب المتفتح والمتطلع إلى بناء الوطن، يحتاج إلى التشجيع والتقدير، وشاعرنا صاحب الديوان من هذه الفئة المتنورة. استطاع أن يخرج من هذه المتاهات، فقرر بعد سنوات أن يمارس الكتابة، وأن يخرج من أعماق نفسه ذلك الشاعر المتفجر بالأفكار التقدمية المتحررة من قيود التهميش والإقصاء.
وهو يؤمن بأن التجديد لا يتحقق بالتقليد وتشبه البعض بالبعض، بل يتحقق بالاختلاف وخلق الجديد. وهو إذ يمنع نفسه أن يتشبه بغيره في مجال الإبداع، يحرص في نفس الوقت على أن يتحرر المتلقي من كل القيود ليقرأ نصوصه مستعملاً العقل أساس الحقيقة والموضوعية. ويؤكد هذا بقوله في الصفحة الخامسة تحت كلمة الإهداء: (….. إلى أصدقاء الكتابة والحرف القراء باستعمال العقل). ونراه بهذا العنوان (حان الوقت – لا أشبه إلا نفسي)، الذي اختاره لديوانه، يدعو إلى حركة شبابية تساهم في التغيير الجذري للأفكار والثقافات والرؤى، وتقدير المسؤولية والتشبث بالمواطنة الحقة وخدمة الوطن، لتحقيق السلم الاجتماعي من أجل بناء مجتمع مغربي حداثي ديمقراطي.
قد نعتبر العنوان بهذه الحمولة الدلالية وبهذه الرغبة القوية لشاعرنا الشاب ياسين في تغيير ونقد الواقع عتبة محورية ترتبط برؤية ياسين الصلامور للعالم، المتجلية في التجديد والاختلاف أساسًا في التطور وبناء الحضارات. وهو لا يقصد بعدم الشبه بالآخر الانغلاق والخلاف والتمركز حول الذات الفردية أو الذات الجماعية، كما هو (التمركز حول الذات الغربية) عند الغربيين، تكريسًا لرؤيتهم للعالم الصالحة في نظرهم لكل زمان ومكان، وأن العقل الغربي مصدر العلم والخلق والإبداع. وبلغة العين يمكن أن يتعدد التحليل والقراءة البصرية للوحة الغلاف التشكيلية، وهي من إبداع ياسين الصلامور، وتكاد تكون مرآة عاكسة لواقع كوني معقد تستجليه علامات أيقونية متشابكة (صورة الخفاش رمز الخير والشر، وصورة التنين الحيوان الأسطوري رمز الرخاء والمجد والثروة والحظ السعيد، وله دلالة مكانية مرتبطة بالصين). وإقحام التنين والخفاش في عمق اللوحة دليل على أن الفن المعاصر لا يمكن أن ينفصل عن التراث والأساطير، وقد تميز بيكاسو وجاكسون بولوك وغيرهم من رواد الفن المعاصر بما نهلوا من عالم الأساطير.
لوحة الغلاف تتخللها عبارات خطية بحروف عربية ولاتينية (slam – DSD…)، وفي عمق اللوحة نكاد نكشف تجلي الشق الأول من العنوان (حان الوقت) والشق الثاني منه (لا أشبه إلا نفسي). اللوحة ممتلئة عن آخرها بما يشبه أشكالًا وخطوطًا عنكبوتية، قد ترمز بهذا التشابك إلى العالم المتناقض المتصارع المرتبط والمترابط بالشبكة العنكبوتية، أساس التواصل والتزود بالمعارف والأفكار. في غياب نسبي للقيم والسلام، بهذه الطفرة في مجال الإعلام والسوشيال ميديا أصبح العالم قرية صغيرة متصارعة على مستوى القطب الغربي والشرقي، قرية تتقاسمها الأفكار والإيديولوجيات والفلسفات والثقافات، والصراعات بين التراث والأصالة والمعاصرة، والمحلية والعولمة، والواقع والأسطورة. يظل هذا الانقسام فارضًا وجوده بالفعل والقوة على أمم لن تتمكن من توحيدها العولمة ولا القوانين الدولية. وما الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني بالغارات الجوية الصهيونية والتجويع والتعطيش إلا دليل على الهمجية والعنصرية وخرق القانون الدولي، وتجاوز للتسامح الديني وضرب لحقوق الإنسان.
يتضمن الديوان ثلاثين قصيدة في المجمل، منها قصيدة واحدة مازجة بين اللغة الفصيحة واللهجة العامية المغربية في الصفحة 12 تحت عنوان (نخرج على القانون؛ نص ممزوج)، وعشرون قصيدة بالعربية الفصحى بين الصفحة 18 والصفحة 67، وتسع قصائد باللهجة العامية محصورة ما بين الصفحة 78 والصفحة 118، أطولها قصيدة وردت بالصفحة 89 تشتمل على 13 صفحة تحت عنوان (تواضعت زرب علي). كل قصيدة، سواء في الجزء الفصيح أو الجزء العامي، مذيلة بعلامة أيقونية من إنجاز شاعرنا ياسين جناني، وكل علامة ترمز إلى التيمة العامة للقصيدة، وتتطلب إلمامًا بثقافة العين وفلسفة الصورة وجمالية المكان.
ونحن في قراءتنا النقدية لهذا الديوان، وبناءً على الطرح الذي جاء في المدخل، ركزنا فقط على إبراز معالم التجديد والاختلاف، وهي معالم ترتبط بالعنوان (حان الوقت – لا أشبه إلا نفسي). وقد قمنا بتفصيل كامل لكل شق من العنوان، تلخص في ربطه بالاختلاف ونفي الشبه للآخر من أجل تغيير التاريخ. العنوان بهذه الصيغة المركبة من جملتين فعليتين يرتبط بالزمان (حان الوقت)، بداية التغيير يساهم فيها أبناء التسعينات المظلومون، وطريقة التغيير بتحدي كل التداعيات بعيدًا عن التقليد. وبناءً على ما توحيه لوحة الغلاف، وهي كذلك من إنجاز الفنان صاحب الديوان ياسين جناني، وكان لنا فيها رأي نعتبره تفصيلًا تؤكده قصيدة (كواليس القرن الواحد والعشرين) الواردة في الصفحة 21 من الديوان، يقول فيها شاعرنا ياسين جناني:
في كواليس القرن الحادي والعشرين تتجلى الحياة
تندثر الأسرار وتتسارع الأحداث
عالم متشابك يشتعل فيه الإبداع والتكنولوجيا
يتناغم فيه الماضي والحاضر والمستقبل بمهارة
هنا ترقص الأفكار على أنغام الرقمنة
وتتلاقى الأجناس والأعراق في الساحة
تتبادل الأفكار والمعارف والأحلام كالدوامة
فتولد مشاريع ضخمة وتتجسد الرؤى
كلمة تُطلق في هذا الزمان المبهر
تهز أركان الحكم وتحرك الجبال
فتنبض الشعوب بالتحرر والمطالبة بالعدل، وتعلو أصوات الشباب للتغيير
في كواليس هذا القرن يلتقي العالم بأسره
تتلاشى الحدود وتنهار الجدران
تتواصل الأرواح وتنبع بالأمل
لكن في كواليس القرن الحادي والعشرين
لا تزال هناك تحديات وصراعات
تنبض الأزمات وتتعاظم المشكلات
ولكن بالتعاون والابتكار يتلاشى الظلام
فلنتحد في هذا الزمان
لنبنِ جسرًا من العلم والتفاهم، لنرفع راية السلام والتقدم
ونرسم للقادمين مستقبلًا يستحق العيش

اللوحة، بالعلامات الأيقونية، كانت عاكسة لكل ما ذُكر في هذه الكواليس بالعلامات اللسانية. اعتمد الشاعر على التشكيل بالحرف في كلمة أو عبارة تتكرر عشرات المرات في نظام مصمم بإحكام، يرمز إلى ثورات متقطعة وتجمعات شبابية تسير محتجة تنادي بالتغيير (تكرار نفس العبارة). نعتبره صراخًا بشعارات التغيير.
الديوان كذلك استحضار لأحداث ورموز تاريخية بشرية ومكانية في قصائد أخرى، تتجسد فيها قوة الانتماء إلى المكان: المغرب، الرباط، أبي رقراق، وزان، DSD، الوطن العربي، المجتمع الكوني. كما أن الشاعر عاشق للشعر والكتابة المستمرة دون انتظار مقابل وتصفيق، وهو المناهض للتفاهة والرداءة والتقليد، والمنفتح على كل ضروب مقومات التغيير. كان ذكيًا في اختيار المواضيع والعناوين التي تكاد تكون محاور لندوات ومحاضرات منفتحة على كل الرؤى وفلسفة الأفكار، منها مثلًا: (كواليس القرن 21) – (الكل يعلم والجيل يتعلم) – (دائرة الضوء والدمس) – (محمد الخطوط الحمراء) – (الليل أنا) – (ثورة الجهلاء) – (رسالة المسرح نداء في كل زمن الوباء) – (طاقة الحجر الرخامي) – (معالم الرخام) – (الفقيه والسياسي لقاء خاص) – (يوم سيء لغرورنا هو يوم جيد لأرواحنا) – (تواضعت زرب عليا) – (صلام المغرب)…
في الختام، يمكن القول إن الديوان هو خارطة طريق مرشدة إلى مسالك مؤمنة بمبادئ وقيم التسامح واكتساب المعرفة. وأقول إن هذا الديوان، بكل ما جاء في المتن باللغة المنطوقة باللفظ، وبكل الدلالات المرئية والمكشوفة في اللوحات والرسوم والرموز باللغة البصرية، وهي من إنجاز صاحب الديوان، قد لا يسمح المجال والمقام بالاستشهاد بكل الشواهد المؤكدة لما نقول؛ لأننا نعلم أن الديوان منفتح على القراء في الزمان والمكان.
ونقول في الختام إن الديوان قريب من الفلسفة وعلمي النفس والاجتماع، شكرا لمبدعنا الشاب ياسين جناني: أحسنت اختيار المنطلق، تحياتي وتقديري.

محمد المؤذن عميد أكاديمية كازابلانكا الدولية للثقافة والفنون والتراث الشعبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *