قراءة في ديوان الشاعر جناني ياسين (حان الوقت لا أشبه إلا نفسي)

قراءة في ديوان الشاعر جناني ياسين (حان الوقت لا أشبه إلا نفسي)

تعرفتُ على ياسين في مسابقة لشعر الصلام (ديكلام) D”klam بالدار البيضاء بعين السبع لوزين. صداقة تخللتها الكثير من النقاشات حول الشعر والأدب. لذا فالاحتفاء بالعمل الأول هو دائم حدث مُميّز لأي كاتبٍ، احتفاء باللّبنة الأساس أو ما يشبه ميلاد الابن البِكر، احتفاء فيه الكثير من الفخر مع الأقارب والأصدقاء وكل من شهِدوا مسار تكوّن هذا المولود. لذا فالاحتفاء بالكتاب الأول تصاحبه عودة نحو نقطة البدء، ونحو الأصل؛ أي الامتنان. إنها عودة لاسترجاع المسار الطويل الذي عايشه الكاتب في خضمّ محيط الكلمات والوُرَش المنهِكة داخل عقله وروحه ليقدم لنا صنعته الأخيرة. يفتتح ياسين كتابه بالتعبير عن ثقته في قارئه ليفكّ أحجيات أشعاره، مقدما إليه حرية تامة ليحللها ويستشعرها كما يريد دون قيود الزمان أو المكان، بتقنيات تتجاوز المقروء نحو البصري، أي عبر رسومات وتشكيلات، ونحو السمعي كذلك، أي عبر الاستماع الى قصائده على منصة يوتيوب من خلال مسحها (السكان).

بداية التجربة الشعرية لا ترتسم بوضوح باتباع خطوات/ تقنيات معينة، وأقول تيَمُّنا بالشاعر ماشادو أن طريقك تصنعها وأنت تبدع.. حيث تتقرفص النظريات جانبا، فهي وإن صلُحت كبوصلة لتحديد الإتجاهات، لكنها لا تجدي نفعا في تحديد كيفية الكتابة في مخاض التجربة. على سبيل المثال استهل ياسين ديوانه بنصّ أولي عنونه ب “نخرج على القانون. نص ممزوج”. في محاولة منه لإعادة تقديم صيغة جديدة لنص شعري يزاوج بين الفصحى والدارجة، وسأقتبس من قوله ( الى ضيعتي وقتك فتقديس طريقك هو غيولي بلاصتك، عِيق وقدّر عقلك ما عمرك تحكرو)
في الجزء الأول الفصحى: لا يتردد ياسين في الافصاح بأنه شاعر مغتر بشعره وشاعريته، وهذا لا يخفى على القراء، إذ أن شاعرا متواضعا عملة نادرة، إنها رؤية شاعرية تترنح بين الضوء الذي تنبض منه الحياة وبين الدمس الذي تختبئ فيه روح متمردة وبين الظلال التي يكتب عبرها على حد تعبيره.
لكن لتكون لدينا نظرة بانورامية منصِفة، ففي نصه يوم سيء لغرورنا هو يوم جيد لأرواحنا، فإنه يبحث عن الشخصية الوسط، المتأرجحة بين التواضع والغرور، شخصية لا تتسرع في الحُكم، شخصية تروّض نفسها على تتبع طريق الحكمة دون اغترارٍ بالنفس أو غِرة في الجانب المقابل. هذا الطريق الذي يبتغي سكونا أثناء حذوه، كما يؤكد في قصيدته سكون، والتي يقول فيها( السكون عبادة القلب).
اتخذ ياسين جناني كذلك من أشعاره وسيلة للرد كنايةً على من تجاوزوا خطوطا حمراء خاصة في مسألة الدين والرموز الدينية. إنه يسخر ويخسئ من الغرب ذو المعايير المزدوجة في أخلاقياته بقوله( اخسئوا فلايحق لكم الكلام عن الإنسانية الحقوق والحريات) ثم يستأنف كلامه: عشرات القتلى في اليوم الواحد والعالم كله غائب عن الوعي يشاهد لكن عندما مات شخص واحد قامت القنوات والحملات بالآلاف، والمسلمون يحرقون ببورما يوميا دون اكتراث ).كما تحدّث عن “نفاق الرفاق الذي لايطاق”، أو لنعمم القول “نفاق الانتماءات” كيفما كانت والتي تفقد نزاهتها ومبادئها كحرباء متلونة، هذا النفاق الذي قال عنه بأنه سمّ يتوغل وليس له ترياق.
لم يخلُ الديوان كذلك من عناصر يجمعها المشترك، أي الحب، بحيث يُعبّر ياسين عن عشقه لليل (أنا والليل في جنبات السماء نسير على إيقاع الهمس والرمش) وعن عشقه للمسرح أيضا، أبو الفنون، وغبطته بعد عودة فتح المسارح، بعد تأثير الوباء الذي طال كل الفعاليات الفنية و الثقافية أثناء الإغلاق الشامل. علاوة على ذلك فإنه يعبّر عن حبه للرخام، حيث تتجسد الفخامة وتتلاقى الأبعاد في جوهر هذا الحَجر/السر، الثقيل من حيث أنه هش. الرخام ليس مجرد حجر بالنسبة إليه، إنها قصص تُروى، من عمق و عبق الحضارات المبنية. وعلى حد تعبيره ( كل قطعة تنبض بحكاية الوجود المبهم). شظايا وقطع الرخام، الغبار، صوت آلة التقطيع، مزج الأحجار كل هذه المصطلحات قد تكون لغة الحب لدى ياسين.
من جانب آخر، ما يميز قصائده هي مناشدتُه للأمل والتغيير والتقدم لدى الشعوب، بنزعة قد يغلبها عليها الطابع الإيديولوجي، لكنه يشتغل بكَدّ سعيا لتثبيت ولو نصف حجرة سعيا في بناء سبيل الديموقراطية الشاق، إنه ليس “لاعب نرد يربح حينا ويخسر حينا” كما قال محمود درويش. فالحظ إشاعة في عالمه على حد تعبيره.

ورغبة في بناء هذا السبيل علينا أن نبدأ من سُبل أنفسنا أولا، علينا أن ننسى. والماضي عدو النسيان، الماضي سرابٌ نُصرّ على التلفت واللحاق به، صحيح أن السراب يكون أمامنا، لكن حين يضل المرء سبيله ويجهل البداية من نهاية طريقه فإن نفسَهُ هذا السراب يغدو ماضيا ومستقبلا، وقد يمتد ذلك نحو حاضره فيغدو نفسه سراباً، مُتلِفةً كينونته. لذا فإن ياسين ينشد قارئه أن لا يُتلف قلبه في النبش داخل دوامة الماضي المتشذرمةِ ذكرياتُها، و أن لا يذيب قلبهُ، إنه يدعونا في أكثرِ من موضع أن نكون زئبقيين، وإن اندلقت ذواتنا على ذكريات الماضي فإنها لاتعيقها، بل بالأحرى تعيد تشكيل هذا الزئبق من جديد نحو سيرته الأولى؛ سائلا يهيمُ في حرارة الوجود؛ حرارة التجربة.

الشعر هو كذلك حوارات ينسجها جناني غرضَ توجيه رسائل ضمنية كما ذكرنا سابقا. التحاور مع السياسي المتلون، و المتملق واللاعق للأحذية قصد تحقيق أهداف برغماتية فردانية من نفوذ ومناصب ومصالح على حساب المبادئ الديموقراطية. مؤكدا ذلك بقول إننا في زمن السيولة وتحطيم المرجعيات، أي زمن ما بعد الحداثة الذي تتفكك فيه كل الخطابات المهيمنة.
من جانب آخر يحاور كذلك رجل الدين، الذي يغض الطرف عن المنكر ويشرعن الاستبداد، بل ويحاول إيجاد مسوغاتٍ لموقفه، مكتفيا بأقل درجات تغيير المنكر وهو القلب. رجل الدين الذي يقدم خطابا مترفّعا ومتحجّراً بعيد عن معاناة وهموم الناس. ويعيد تلويك أفكارٍ قيلت قبل آلاف السنين. ثم ينهي جناني قصيدته بقوله ( لا تعوّلي أيتها الشعوب في الدفاع عن قضاياك على أحد مهما قضى الزمان، لا المثقف ولا الفقيه ولا السياسي ولا أنا. شمّري على ساعديك أيتها الأمة الملقب شعبها بالجاهل الجبان).
إنه كذلك يكتب بحسرة عن نظام التفاهة على حد تعبير آلان دونو الذي أصبح واقعا مفروضا على الجميع. عالمٌ يقتات على السرعة والسطحية والإثارة الهشة وارتفاع الدوبامين، وحيث أصبح الحمقى والمهابيل يكتبون ما يشاؤون على مواقع التواصل التي ساوت بين المثقف والجاهل. عالمٌ رِقابه مرتخية ومنحنية على شاشات الهواتف، غارق في بروباغندا السرديات الأحادية المشوشة عن كل رؤية نقدية. عقول داخل متاهة نهاية منعطفاتها نعشٌ يحمل ماتبقى وما نجى منها.

علاوة على ذلك، فإن جناني يؤرخ في شعره، أو ما قد نعتبره تأريخا شعرياً، الشعر كأداة وظفها لترسيخ الأحداث في الزمكان، وذلك عبر نصه ملخص سنة 2022، عن مختلف القارات ومختلف الأقطاب السياسية والاجتماعية. بحيث يذكر قارئه على سبيل المثال لا الحصر، باغتيال شيرين أبو عاقلة و رحيل الطفل ريان و رحيل الشاعر مظفر النواب ومقتل الظواهري والإنجاز المغربي الكروي في قطر… إلخ.
ثم ينهي الجزء الأول من الديوان بنص (الباندا خاصتي) والتي يصف فيها الكاتب مشاعر حب تملّكته. مشاعره التي وضعها الكاتب بين تناقضات متعددة أجّجت أحاسيسه لكتابة هذه القصيدة، إلا أنها تناقضات تعانق المجاز، لتشكّل غرضَ الانسجام في مشاعره بدل الصراع. إلا أن هذه النزعة الرومانسية لم تكن طاغية في الديوان . أو كما يقول الشاعر ماريا ريكله “قد يكون الحب أكثر مهامنا صعوبة، إذ هو اختبارنا ودليلنا النهائي. يجعل كل أعمالنا السابقة تبدو تكريسا واستعدادا له.”

في الجزء الثاني من الكتاب الدارجة والذي جمَع نصوصا تغلب عليها سلطة الانتماء. بدأه بنص اللهاية: مُتّخذا من الجنون صفة تميّزه، (هكا تزاديت مجنون سلطان). ثم يمرّ نحو حي البريد الزنقة 44، حي الأمان كما يلقّبه، المكان المنشأ، و الذي يقطن فيه لسنوات. معرّفا لنا عناصر هذا المكان الجمالية بنظرته الشاعرية والفطرية، يقول: (النخل والدكة، تجلس تسهى، تنسى هموم الدنيا بالمنثورة). ثم نص (تواضعت زرب عليا) والذي كُتب بنزعة ايديولوجية يدعو فيها الى قيم مثل الحرية و يتحدى فيها الخرافات وسياسات التجميد، مفتخرا بأصوله وهويته (فهمني بعدا تامغرابيت صحاب ليك ساهلة)، ثم نص (الرباط :مدينتي). المدينة التي يسكنها وتسكن فؤاده، متقمصا المدينة نفسها ليتجسد على هيئة باب الوداية، ومعرض التحف الأثرية، وكذا باب الرواح وقصبة شالة وبونا الرقراق، ومدخل البحر حيث الملاحة، وهلم جرا. ثم نص (وزان قبة الشرفاء)، حيث يغوص بنا في تاريخ هذه المدينة المتصوفة، المدينة التي تعدّل مزاجه. لكنه اتخذ في هذا النص بُعدا آخر وهو البعد السياسي فهو يدعو الناس إلى الاستفاقة من نهْب وفساد المسؤولين بحيث يكتب: (تخايل نتفقوا ضد فسادهم كاملين، نفيّقوا المدينة من سبات طوال هادي سنين وسنين) … ثم يمر نحو نص آخر وهو (ردة فعل على ديوان سيبقى للتاريخ) للمبدعة فاتن مبسيط. بعدها، يكرسّ نصوصه الثلاثة والأخيرة لكل من د.س.د وصلام المغرب و أصوات السعادة بالوطن العربي. هذه التجارب التي شكّلت الكثير من شخصيته كإنسان ثم كشاعر، وهي قصائد يجمعها الكثير من المشترك. هذا المشترك هو التعبير عن الانتماء ثم الامتنان الذي يكنه لهذه التجمعات الثقافية التي ألهمته والتي غدَت بالنسبة إليه عائلة متفرّعة، جعلته يُكوّن علاقات عدّة مع مبدعين من مختلف بقاع العالم العربي، من المغرب وتونس ومصر ولبنان و العراق ومصر وفلسطين، تجمعهم شجرة الأدب وأغصان الشعر.

على أي هذه الورقة ليست بورقة نقدية، فأنا لا أعرّف بنفسي كناقدة، بل كقارئة جيدة للكتب تقدم ببساطة مراجعاتها بصدق. لكن سأكتفي بالقول وأتمنى أن يُؤخذ هذا الكلام بصدر رحب، على الشعراء الذين يريدون تجاوز قواعد الكتابة الشعرية التقليدية والتمرد عليها، أن يكونوا متمرسين بالضرورة في قواعدها، لكي يقدّموا أسبابا شافية حول السبب والدافع وراء اختياراتهم. بحيث يستحيل أن تأتي بجديد إذا لم تُتقن ماهو قديم. بحيث إن كتابة قصيدة النثر تعتبر السهل الممتنع. مؤاخذتي في هذا العمل وبصفة عامة لدى جلّ الشعراء الشباب اليوم هو أن لانقزّم الشعر في مجرد نصوص مختومة بقوافي لكن النصوص تعوزها المادة الدسمة؛ فالشعر هو أن يتضخم فيك كل شيء فتضطر إلى أن تهدهد سرير اللغة بحذر، ثم تدنو بروية دون أن تُثقل الأبجدية، قصد إيجاد لغة أخرى أنسب علّها تكون بحجم المعنى، وحجم التجربة. مفتاح باب بيت الشعر هو الكلمة التي تجرّ وراءها تاريخها الخاص، ويمكنك أن تتخيل أن لكل حرف كيمياؤه الخاصة. أما المواد التي يتم الإشتغال عليها لتحويلها إلى لغة الشعر فهي التجارب لا المشاعر فقط، وبهذا الصدد يقول راينر ماريا ريلكه في مقطع جد معبر من كتابه “رسائل إلى شاعر شاب”: ” ليست الأبيات الشعرية مشاعر كما يعتقد البعض، بل هي تجارب. لكي نكتب بيتا شعريا واحدا ينبغي أن نكون قد رأينا مدنا وأناسا و أشياء كثيرة…ثم يستأنف كلامه؛ ثم إياك والتكلف. فزاد الشعر وقوته وعمقه في بساطته”. ومجمل القول، ففي منظوري الخاص هذا الديوان هو مجموعة من النصوص المُجتهَد عليها بنزعة تخييلية تتخذ شاكلة القصائد.
وأخيراً أختم ورقتي هذه بالعودة إلى قول الشاعر ماريا ريكله في كتابه السالف الذكر: (أن تكون فناناً يعني: ألّا تحسبها وتحصيها؛ أن تنمو وتنضُج مثل شجرة لا تستعجِل تدفق نسغها وتقف مطمئنة خلال عواصف الربيع دون أن تخشى أنه قد لا يأتي فصل الصيف. سيأتي, ولكنه يأتي فقط لهؤلاء المتحلين بالصبر، الحاضرين هناك ببساطة ساكنين في طمأنينة هادئة وشاسعة وكأن الأبدية كلَّها تحت تصرفهم.)
وأمَلي قويّ بأن هذه الأبدية قد يمتلكها قريبا جناني في قادم الأعمال الشعرية بالحكمة والتريّث…. وأذكّركَ بما كتبته في نصك الأول الممزوج (عندما ينكسر الشاعر يجد شاعرا آخر وسطه أقوى مما قد كان). وأزعم أن الانكسار والألم لا ينفصلان عن تجربة أي شاعر حرّ. أتمنى أن تجد في قادم أعمالك شاعرا أقوى، وأن نستمتع بإبداعاتِ قلمك.

إيمان أيت بابا /المغرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *